الاثنين، 9 يناير، 2017

حقيقة حديث ( لا شماتة في الموت )

عدد التعليقات : 0
يقول السائل الكريم : ما حكم ما ينسب إليه - عليه السلام - : " لا شماتة في الموت " فقد كثر هذا الخبر على صفحات الفيس الأيام الفائتة ؟

الجواب :
أولا : تعرف الشماتة : هي الفرح ببلية العدو ، هذا في الأصل .
وتطلق أيضا : على الفرح ببلية تنزل بكل إنسان تعاديه من المسلمين أو غيرهم .
يقول القرطبي رحمه الله تعالى :. الشماتة : هي السرور بما يصيب أخاك من المصائب في الدين والدنيا. انتهى.

ثانيا : هذا ليس بحديث نبوي أصلا ، بل هو من كلام العامة .
ثالثا : هناك فرق بين الشماتة و الفرح بهلاك الظالمين , فالفرح بهلاك الظالمين جائز .
قال العلاء بن المغيرة: " بُشّر الحسن البصري بموت الحجاج وهو مختفي فسجد ".

وعن ابن طاووس عن أبيه أنه أخبر بموت الحجاج مراراً فلما تحقق وفاته قال: " فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين " .

قال الشيخ محمد بن صالح المنجد - رقع الله تعالى قدره - : ... ومما يدل على ما قلناه نصوص وآثار ووقائع ، ومنها :
1. قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً ) الأحزاب/ 9 .
وفي الآية بيان أن إهلاك أعداء الله تعالى من نعَم الله على المسلمين التي تستوجب ذِكراً وشكراً .

2. عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال : مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَجَبَتْ ) ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ ( وَجَبَتْ ) فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَا وَجَبَتْ ؟ قَالَ : ( هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ) , رواه البخاري ( 1301 ) ومسلم ( 949 ) .

وقال بدر الدين العيني – رحمه الله - : " فإن قيل : كيف يجوز ذكر شر الموتى مع ورود الحديث الصحيح عن زيد بن أرقم في النهي عن سب الموتى وذكرهم إلا بخير ؟ وأجيب : بأن النهي عن سب الأموات غير المنافق والكافر والمجاهر بالفسق أو بالبدعة ، فإن هؤلاء لا يحرُم ذكرُهم بالشر للحذر من طريقهم ومن الاقتداء بهم "( عمدة القاري شرح صحيح البخاري ) ( 8 / 195 ) .

3. عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ فَقَالَ: ( مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ ) ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ ؟ فَقَالَ : ( الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ ، وَالْبِلَادُ ، وَالشَّجَر ُ، وَالدَّوَابُّ ) , رواه البخاري ( 6147 ) ومسلم ( 950 ) ، وبوَّب عليه النسائي في سننهِ ( 1931 ) : " باب الاستراحةُ من الكفارِ " .

قال النووي – رحمه الله - :
" معنى الحديث : أن الموتى قسمان : مستريح ومستراح منه ، ونصب الدنيا : تعبها ، وأما استراحة العباد من الفاجر معناه : اندفاع أذاه عنهم ، وأذاه يكون من وجوه ، منها : ظلمه لهم ، ومنها : ارتكابه للمنكرات فإن أنكروها قاسوا مشقة من ذلك ، وربما نالهم ضرره ، وإن سكتوا عنه أثموا" .
واستراحة الدواب منه كذلك لأنه كان يؤذيها ويضربها ويحملها ما لا تطيقه ويجيعها في بعض الأوقات وغير ذلك .
واستراحة البلاد والشجر : فقيل : لأنها تمنع القطر بمصيبته قاله الداودي وقال الباجي لأنه يغصبها ويمنعها حقها من الشرب وغيره .
" شرح مسلم " ( 7 / 20 ، 21 ) .

4. وقد سجد علي رضي الله عنه لله شكراً لمقتل " المخدَّج " الخارجي لما رآه في القتلى في محاربته له .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :
( وقاتل أمير المؤمنين علي بن أبى طالب رضي الله عنه الخوارجَ ، وذكر فيهم سنَّة رسول الله المتضمنة لقتالهم ، وفرح بقتلهم ، وسجد لله شكراً لما رأى أباهم مقتولاً وهو ذو الثُّدَيَّة , بخلاف ما جرى يوم " الجمل " و " صفين " ؛ فإن عليّاً لم يفرح بذلك ، بل ظهر منه من التألم والندم ما ظهر ، ولم يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك سنَّة بل ذكر أنه قاتل باجتهاده ) ." مجموع الفتاوى " ( 20 / 395 ) .

5. ولما أُصيب المبتدع الضال " ابن أبي دؤاد " بالفالج – وهو " الشلل النصفي " - : فرح أهل السنَّة بذلك ، حتى قال ابن شراعة البصري :

أفَلَتْ نُجُومُ سُعودِك ابنَ دُوَادِ ... وَبَدتْ نُحُوسُكَ في جميع إيَادِ
فَرِحَتْ بمَصْرَعِكَ البَرِيَّةُ كُلُّها ... مَن كَان منها مُوقناً بمعَادِ
لم يَبْقَ منكَ سِوَى خَيَالٍ لامِعٍ ... فوق الفِرَاشِ مُمَهَّداً بوِسادِ
وَخَبتْ لَدَى الخلفاء نارٌ بَعْدَمَا ... قد كنت تَقْدحُهَا بكُلِّ زِنادِ

... . " تاريخ بغداد " للخطيب البغدادي ( 4 / 155 ) .

6. قال الخلاَّل – رحمه الله - :
قيل لأبي عبد الله – أي : الإمام أحمد بن حنبل - :( الرجل يفرح بما ينزل بأصحاب ابن أبي دؤاد ، عليه في ذلك إثم ؟ قال : ومن لا يفرح بهذا ؟)  , " السنَّة " ( 5 / 121 ) .

7. قال ابن كثير – رحمه الله – : ( كان الحسن بن صافي بن بزدن التركي ،  من أكابر أمراء بغداد المتحكمين في الدولة ، ولكنه كان رافضيّاً خبيثاً متعصباً للروافض ، وكانوا في خفارته وجاهه ، حتى أراح الله المسلمين منه في هذه السنَة في ذي الحجة منها ، ودفن بداره ، ثم نقل إلى مقابر قريش ، فلله الحمد والمنَّة ) .
وحين مات فرح أهل السنة بموته فرحاً شديداً،وأظهروا الشكر لله ، فلا تجد أحداً منهم إلا يحمد الله ." البداية والنهاية " ( 12 / 338 ) .

8. وقال الخطيب البغدادي – رحمه الله – في ترجمة عبيد الله بن عبد الله بن الحسين أبو القاسم الحفَّاف المعروف بابن النقيب - :
كتبتُ عنه ، وكان سماعه صحيحاً ، وكان شديداً في السنَّة ، وبلغني أنه جلس للتهنئة لما مات ابن المعلم شيخ الرافضة وقال : ما أبالي أي وقت مت بعد أن شاهدت موت ابن المعلم ." تاريخ بغداد " ( 10 / 382 ) .

وكل ما سبق – وغيره كثير – يدل على جواز الفرح بهلاك أعداء الإسلام ، والكائدين له ، وهلاك أهل الزندقة والبدع المغلظة ، وهلاك أهل الفجور والفساد ، بل يفرح أهل السنَّة بالمصائب التي تحل بهم كمرض أحدهم أو سجنه أو نفيه أو إهانته .

والله تعالى أعلم .

بوركتم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق